اسماعيل بن محمد القونوي
157
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مراد المصنف بقوله وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم الخ كما بيناه آنفا نعم هذا التوجيه يجري في كلام الكشاف دون كلام المصنف فإن قيل فحينئذ لا يفهم انحصارهم على الإفساد بل انحصار الإفساد عليهم قلنا لا ضير فيه إذا إلههم رد ما أشعره كلامهم من أن الفساد ثابت للمسلمين فقط فأثبت لهم الفساد فقط بقصر قلب تنزيها لساحة المؤمنين عن الإفساد في البلاد وبين العباد وأما انحصارهم على الإفساد فلا ينافي إثبات الإفساد لغيرهم فلا يتحقق رد ما أوهم كلامهم على أن قصر الإفساد عليهم يستلزم قصرهم على الإفساد إذ الإصلاح مع الإفساد كلا إصلاح كعبادة اللّه تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة صرح به المصنف في أواخر سورة المائدة وإن سلم كون الإصلاح مع الإفساد إصلاحا في بعض الصور فلا ريب في كونه مع شائبة الفساد فحينئذ يحصل الرد لما يفيده صريح كلامهم من أنهم مقصورون على الإصلاح بلا شائبة إفساد كما يتحقق رد ما في قولهم إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ [ البقرة : 11 ] من التعريض للمؤمنين وهكذا ينبغي أن يقرر هذا المقام والعلم عند اللّه الملك العلام . قوله : ( والاستدراك بلا يشعرون ) عطف على قوله وتوسيط الفصل أو على الاستئناف فهو مما يفيد الأبلغية وجهه أن فيه تنبيها على أن إفسادهم وكونهم مفسدين في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس فهم صم عمي فهم لا يعقلون وهذا أبلغ رد لا فوقه رد هذا بيان وجه التعبير بلا يشعرون وأما الاستدراك فوجهه أنهم لما نهوا عما راموه من الإفساد فقابلوا بأقبح مقابلة بأنهم على الإصلاح ثم إنه تعالى أخبر بإفسادهم ورد مقابلتهم الشفاء بأبلغ رد أنيق وبجواب رشيق كانوا حقيقين بمعرفتهم به مع أنهم بعيدون عنها بمراحل فكان محلا للاستدراك فكأنه قيل تحقق لهم ما يوجب العلم بأنهم مفسدون ولكن لا يشعرون لتمادي غفلتهم وفساد عقولهم والختم على أسماعهم وأبصارهم قوله : والاستدراك عطف على الاستئناف وجه دلالة هذا الاستدراك على المبالغة أنه نفى عنهم الحس الحيواني فالمعنى أنه لو كان لهم أدنى شيء من التمييز لعلموا أنهم هم المفسدون لا المصلحون لكن لا حس لهم ليدركوه قال القاشاني في تأويل الآيتين وإذا نهوا عن الإفساد في الجهة السفلية من النفوس وما يتعلق بها من مصالح الدنيا ادعوا القصر لأنفسهم على الاصلاح بناء على طريقة العقل المنسوب بالهوى المقبل على تدبير المعاش فإن عقولهم محجوبة على عالم النور ألا ترى إلى وجوه الحيل التي تتيسر بها معايشهم على أحسن الوجوه عند الوهم وأسهلها فرد اللّه دعواهم بقصر أنفسهم على ماهية الفساد المقتضي لسلب الإصلاح عن أنفسهم بالكلية حيث راعوا جزئيات تفوت عنهم كليات مصالح الدارين العقل الصافي عن كدورة الوهم والهوى المكحل بنور الهداية الإلهية يراعي كليات المصالح المقتضية لصلاح الدارين الموجبة للسعادة المطلقة الإنسانية المقربة من الفوز الأعظم ولا يلتفت لفت الجزئي فإن القواعد الكلية إذا انخرمت انهدمت الجزئيات بأسرها وهذا أمر مركوز في بداية العقول محسوس من جهة فوات أكثر المنافع الدنيوية واختلالها بذلك فبالغ في سلب العقل عنهم بسلب الحس الذي هو أضعف مراتب الإدراكات ولعمري إن ذلك العقل الذي يرى فسادهم صلاحا هي الشيطنة التي قال فيها الإمام الصادق رضي اللّه عنه تلك الشيطنة تلك النكراء شبيهة بالعقل وليس به .